الشنقيطي
43
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بلفظه « 1 » ، وقد رأيت تصحيح هذا الحديث للترمذي ، وأبي حاتم ، وابن القطان ، وابن حبان . ومحل الشاهل منه قوله : « فإن وجد الماء فليمسه بشرته » ، لأن الجنابة لو كان التيمم رفعها ، لما احتيج إلى إمساس الماء البشرة . واحتج القائلون بأن التيمم يرفع الحدث : بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، صرح بأنه طهور في قوله في الحديث المتفق عليه « وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » « 2 » ، وبأن في الحديث المار آنفا « التيمم وضوء المسلم » ، وبأن اللّه تعالى قال : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [ المائدة : 6 ] الآية ، وبالإجماع على أن الصلاة تصح به كما تصح بالماء ، ولا يخفى ما بين القولين المتقدمين من التناقض ، قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي يظهر من الأدلة تعين القول الثالث ، لأن الأدلة تنتظم به ولا يكون بينهما تناقض والجمع واجب متى أمكن . قال في [ مراقي السعود ] : والجمع واجب متى ما أمكنا * إلا فللأخير نسخ بينا والقول الثالث المذكور هو : أن التيمم يرفع الحدث رفعا مؤقتا لا كليا ، وهذا لا مانع منه عقلا ولا شرعا ، وقد دلت عليه الأدلة ، لأن صحة الصلاة به المجمع عليها يلزمها أن المصلي غير محدث ، ولا جنب لزوما شرعيا لا شك فيه . ووجوب الاغتسال أو الوضوء بعد ذلك عند إمكانه المجمع عليه أيضا يلزمه لزوما شرعيا لا شك فيه ، وأن الحدث مطلقا لم يرتفع بالكلية ، فيتعين الارتفاع المؤقت . هذا هو الظاهر ، ولكنه يشكل عليه ما تقدم في حديث عمرو بن العاص ، أنه صلى اللّه عليه وسلم قال له : « صليت بأصحابك وأنت جنب » « 3 » ، وقد تقرر عند علماء العربية أن وقت عامل الحال هو بعينه وقت الحال ، فالحال وعاملها إذا مقترنان في الزمان ، فقولك : جاء زيد ضاحكا مثلا ، لا شك في أن وقت المجيء فيه هو بعينه وقت الضحك ، وعليه فوقت صلاته ، هو بعينه وقت كونه جنبا ، لأن الحال هي كونه جنبا وعاملها قوله صليت ، فيلزم أن وقت الصلاة والجنابة متحد ، ولا يقدح فيما ذكرنا أن الحال المقدرة لا تقارن عاملها في الزمان ، كقوله تعالى : سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ( 73 ) [ الزمر : 73 ] لأن الخلود متأخر عن زمن الدخول أي مقدرين الخلود فيها ، لأن الحال في الحديث المذكور ليست من هذا النوع . فالمقارنة بينها وبين عاملها في الزمن لا شك فيها ، وإذا كانت الجنابة حاصلة له في
--> ( 1 ) تلخيص الحبير ، كتاب التيمم حديث 209 . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) سبق تخريجه .